الاثنين، 18 أغسطس، 2014

الصيغة السحرية - عبد الرشيد الصادق محمودى

كان الأتوبيس يتأهب للانطلاق من محطة البداية أمام منظمة الصحة العالمية عندما دخل مصطفى ، و رأيته يتلفت قليلاً قبل أن يختار مكاناً بعيداً . كان يعلم أننى سأتجاهله ، ثم بدأت ندف الثلج تتساقط و تنقر على الزجاج ، و عندما أقتربنا من مبنى الأمم المتحدة انبعث شبح اّخر من الماضى . و سرت فى جسمى قشعريرة : كيف اجتمع الاثنان ؟ من الواضح أن صلاح كان يريد أن يتجنبنى . فقد تلفت قليلاً قبل أن يضطره ازدحام الأوتوبيس إلى الجلوس فى مواجهتى - دون أن يحيينى . و لم أكن أتوقع أن يحيينى . و هكذا أغلقت على الدائرة فى ذلك اليوم البارد .

لم أكن رأيت صلاح منذ ست سنوات ، حدث ذلك حوالى السادسة مساء ذات سبت . كانت السماء تمطر ندفاً كثيفة من الثلج تماماً كما يحدث اليوم ، لولا أن الشارع - شارع المتاجر الكبرى فى جنيف - كان غاصاً بالمتسوقين إذ يخرجون من المتاجر حاملين مشترياتهم متأهبين لنشر المظلات .

و لست أدرى على وجه التحديد لماذا أجد تلك الساعة من أيام السبت فى جنيف مثيرة لنوع غامض من الحزن ، ربما كان سبب ذلك إدراكى أن الزحام فى اّخر اليوم عابر قصير الأمد ، و أن الناس سيتفرقون بسرعة ، و هو ما يُنذر بخلو الشارع و برده و وحشته يوم الأحد . و لم تمضِ بضع دقائق حتى بدأ الشارع يخلو من المارة إلا مجموعة من الناس - أنا منهم - قرروا أن يتحدوا الطقس الردىء و التفوا حول فرقة موسيقية من بيرو : ثلاثة رجال و إمرأة يرتدون زى سكان البلاد الأصليين و يعزفون على اّلاتهم التقليدية تتصدرها اّلات للنفخ صنعت من القصب . و كانت المرأة تهز شخشيخة لتضبط الإيقاع ، و تطلق بين الحين و الحين صيحة حادة نافذة كأنها طائر جارح من سكان الغابات . و هناك رأيت صلاح ، و لا بد أنه لمحنى لأنه انسحب على الفور من بين الصفوف و انصرف .


لم يدهشنى ذلك ، فهو وضع تعودت عليه منذ سنوات عديدة . و كان يتكرر كلما التقينا فى مدينة أو أخرى من مدن العالم . و فى باريس كنا نلتقى أحياناً بالقرب من مبنى اليونسكو ، و ما إن يلمحنى من بعيد حتى ينتقل إلى الرصيف الاّخر من الشارع . و كان ذلك أمراً محتملاً إلى حدٍ ما . أما ما لم أكن أحتمله فهو تجاهله إياى عندما نلتقى فى مجموعة من الزملاء ، أو عندما ترغمنا ضرورات العمل على التخاطب . فى مثل تلك المناسبات كنت أشعر بالكمد . و هو ما أشعر به الاّن إذ أراه يتحاشى التقاء نظراتنا و هو جالس فى مواجهتى . ما أشد الحب بعد الكراهية و ما أشد الكراهية بعد الحب ! يا عزيزى صلاح لماذا تتنكر لى ؟ و ما جدوى ذلك الاّن ؟ و كيف يمكنك حمل ضغينتك علىّ كل تلك السنين ؟

بعد أن أختفى فى ذلك اليوم منذ ست سنوات لم أره قط لا فى باريس و لا فى غيرها من الأماكن . و لم يدرِ أحد على وجه اليقين أين ذهب . و لكن شاع بين المترجمين الفوريين أنه قرر التقاعد قبل سن المعاش ، و أقام فى مصر بصفة نهائية . فما الذى أتى به الاّن إلى جنيف ؟ وددت لو طرحت عليك السؤال ، و لكن أعلم أنك لن تجيب . أراك تشيح بوجهك عنى . ماذا عساك تخسر لو قلت : " أهلاً يا سيمون ؟ " زالت أسباب الخصام منذ أمدٍ بعيد . فلو أنك حييتنى لحييتك . و لما طلبت منك شيئاً . لم يعد ثمة مجال لطلب شىء . ألا ترى التجاعيد التى عبثت بكل جزء من وجهى ؟ و أنت بدورك فقدت كثيراً من وسامتك . أين شعرك الأسود الكث ؟ و أين ذهب بطن لاعب التنس المسطحة الصلبة ؟ و أين الابتسامة التى كانت جاهزة فى جميع الأوقات و كانت تبشر دائماً بقرب الضحك ؟


فى المطعة الذى تناولنا فيه العشاء تلك الليلة كنت تصف لى كم أنت جائع " جوع الذئاب " . إسبانيتك أفضل من إسبانيتى . قولى للجرسون أن يسرع بالطعام فلا صبر لى على الجوع . قولى له إننى مستعد لأكل الجمبرى النيىء المنقوع فى عصير الليمون و الشطة طالما أتى به بسرعة . الجمبرى النيىء أو أى لحم نيىء إذا أتى بسرعة . و قلت إنك تستيقظ فى السابعة و تسبح ساعة ثم تذهب إلى البوفيه المفتوح . و عندئذ تبدأ بالفاكهة الاستوائية ، ثم تتلو ذلك بطبق من العجة ، و تختتم الوجبة بطبق من " الفريخوليس " . و الفريخوليس هى ابنة عم الفول المصرى ، و ما عليك عندئذ إلا أن تضيف إليها الملح و الكمون و الليمون و الزيت و الشطة ، فيكون لك بذلك طبق من الفول المدمس . و ماذا تفعل بعد هذا الإفطار الرهيب ؟ تذهب إلى غرفتك لتنام ؟ على الإطلاق : تشرب الشاى و القهوة و تبحث عمن يلعب معك التنس . فإذا لم تجد أحداً أخذت تتأمل الصبايا الأمريكيات رائحات غاديات فى ثياب البحر يلتهمن الأيس كريم . ثم تقول على سبيل الاستدراك مجاملة لبنت السابعة و الثلاثين التى دعوتها إلى العشاء ، و لكنهن مراهقات ، ليس لى بهن شأن . و تضيف : بعذ ذلك الإفطار العامر لا أقرب الطعام حتى العاشرة مساء تماماً كما تجدينى الاّن لا أختلف عن الذئب الجائع ، و عطشان أيضاً . فهيا أخبري الجارسون بإسبانيتك الممتازة أن يأتينا بالتكيلا . أما عن اللحم المشوى فى ورق الموز ، فأنا أعلم الاّن أن على إنتظاره ساعة على الأقل . كان ينبغى أن أرضى بالجمبرى النيىء كما نصحت انتظاراً للطبق الرئيسى و لكننى أعلم أن المكسيكيين سينزلون بى هذا العقاب لأننى رفضت هذا المقبل .


لم يكن يعلم أننى فى شوق إليه . لم يكن يعلم أننى أرقبه أحياناً و هو فى طريقه إلى البحر فى الصباح . بل لقد رأيت ذات ليلة رجلاً يعدو نحو البحر و يلقى بنفسه بين الأمواج . و سألته و نحن على مائدة العشاء : " هل تروق لك السباحة ليلاً ؟ " ، قال : " و لم لا ؟ عندما تكون الليلة مقمرة يصيبنى مس من الجنون " . و بدأ الضحك ليكشف عن أسنانه البيضاء الجميلة المنتظمة و يبرز إشرق وجهه بالسعادة . كان طفلاً فى الخامسة و الثلاثين . و كان يخيل إلى أحياناً أن الحياة لم تصبه بخدش كأنه بشرة الطفل الرضيع . و لما تعانقنا فى الشرفة وجدتنى فجأة على ذراعيه . قلت لنفسى : ها هو نوع اّخر من الرجال ، ليست هذه بالبادرة الهينة . فلما صرنا إلى الفراش نفرت منه لأول وهلة ثم لا أدرى كيف استسلمت له ، كيف أعطيته كل ما لدى . و لكننى لما نهضت فى الصباح على صراخ العاصفة و ضرباتها العنيفة على زجاج الشرفة ، و رأيته نائماً بعمق فى قلب الضجيج ، قلت لنفسى : هذا رجل خطر . رجل منفر لأول وهلة لنعومة بشرته ، و لكنه يندس فى أعماق صاحبته مقتحماً حواجزها حاجزاً تلو حاجز . و هو يطويها و ينشرها و يغرقها فى دوامة من تشنجات الذروة عدة مرات ليخرج بها إلى شاطىء الانفراج و السلام و عشق الحياة . و عندئذ يبدأ نوع اّخر من الحب ، يبدأ الحنان ، فهو يمسح على عنقها بكفه القوية و يلثم صدرها ثم يهوى على خصرها و بطنها بالقبل الرقيقة .

صوت لهاثنا الضارى كان يختلط بصوت البحر الهائج . و فى لحظة شعرت كما لو أن الموج سحبنى فى فى انحساره نحو الأعماق المظلمة ، فضعت . و لما عدت إلى شاطىء اليقظة قلت لنفسى : هذا رجل خطر .


كنت مختبئة فى حضنه ذات ليلة عندما قال : " ما بالى أرى مصطفى عبد الحميد شديد الاهتمام بكِ هذه الأيام ؟ " قلت : " و لكنه زميل مثلك و صديق قديم . " قال : " و لكننى ألاحظ أنه كثير الاهتمام بكِ . " قلت : " و كيف عرفت ذلك ؟ " قال : " رأيته ليلة الأمس يحوم حولك فى الحفل الذى أقامه لنا المكسيكيون . " قلت : " لا أحسب أنه مهتم بى . و لكن الذنب ذنبك على أى حال ، كنت مشغولاً عنى طيلة السهرة ، و كنت تتنقل بين المعجبات . " و سألته : " هل يثير ذلك غيرتك ؟ " ، قال : " أريد فقط أن أحذرك منه . " و لم يشرح لى ما يعنيه رغم إلحاحى عليه . فقررت أن أشحذ غيرته . قلت : " ينبغى أن تعرف أننى ضعيفة أمام الرجال . لا أستطيع مقاومة أى رجل . " قال فى استنكار : " أى رجل ؟ " قلت : " أى رجل . " و انفك العناق .

هل كان ينبغى أن أشرح لك يأسى ؟ امرأة فى السابعة و الثلاثين من عمرها مطلقة لم تنجب . و لم يعد أمامها أمل كبير فى الإنجاب ، بل و لا تستطيع فى نهاية المطاف أن ترعى طفلاً سواء أنجبته أو تبنته . و كيف يمكنها ذلك و هى التى تتجول فى أرجاء العالم و لا تستطيع الاستقرار ؟ و هى سهلة المنال لأن يأسها المترسخ فى الأعماق يطفو على سطح بشرتها . تكفيها لمسة من رجل حتى تنهار تماماً . هذا إذا لمسها رجل . فمن حسن الحظ أو سوئه أن قليلاً من الرجال يقتربون منها . كان معظمهم يعتقد أنها بعيدة المنال فلا يلمسها . أما أنت ، فقد كنت تعتقد أن ليس هناك إمرأة تستعصى عليك ، كان لديك كل ما تريد و كل ما تشتهيه امرأة . لم تكن متزوجاً ، و لم تنقصك الصاحبات و المغامرات . و كنت قادراً على الاستمتاع ، قادراً على الفرح ، و كان حماسك للحياة معدياً .


كنا قد عدنا إلى باريس ، عندما اتصل بى بالتليفون ليدعونى إلى الخروج ، فاعتذرت و وعدت بأن أتصل به ، و فى اللقاء التالى كررت اعتذارى لأننى تعجلت فى إنهاء المكالمة . فقال :
- أعلم أنكِ كنتِ مشغولة ، هل كان مصطفى يزورك ؟
و طأطأت رأسى . قال :
- كان فى فراشك .
عندئذ رفعت رأسى تحدياً :
- و ماذا يعنيك فى ذلك ؟ هل تشعر بالغيرة منه ؟
- أنا أغار من هذه الحشرة ؟
- هل أفهم من ذلك أنك قد تغار على إذا عرفت رجلاً اّخر ؟
- أنا أفضل أن تكونى لى وحدى ، و لكن إذا كان و لا بد أن يكون لكِ رجل اّخر أو رجال اّخرون ، فبإمكانى ..
- أفهم ما تعنيه . أنت فى الحقيقة لن ترفض أن يشاركنى فيك رجلاً اّخر .
- يمكننى أن أتحمل ذلك الوضع إذا كان ذلك هو ما تريدين .
- أنت فى حقيقة الأمر لا تريد أن أكون لك وحدك . تفضل أن يكون لى أصحاب اّخرون . أنت تكره مصطفى ، و هذا هو كل شىء . أليس كذلك ؟

و ساد صمت طويل قبل أن أقول :
- أصغ لى جيداً . إن علاقتى بمصطفى لن تضيرك فى شىء ، و لن تغير من علاقتى بك ، دعه و شأنه ، و ثق أننى لن أصدك أبداً . سأكون لك كلما أردتنى .
قال :
- هذا الرجل لا يليق بكِ . أفعلى ما تشائين بحياتك الشخصية ، و لكن لا تهبطى إلى هذا المستوى . أنا أتعجب لكِ أنتِ التى أتيتِ من أسرة كريمة و بلغتِ مستوى رفيعاً من التعليم و رقى الذوق ، كيف تسمحين لنفسك بأن تضاجعى هذا النذل ؟ إن له زوجة و أبناء فى مصر .
- ما لك و لزوجته و أولاده ؟ لا تقل لى إنك أصبحت من دعاة الأخلاق . لماذا تلومه و هو لا يختلف عنك ؟ هو مثلك يحب النساء .
- هناك فارق كبير بيننا . فهو فى حقيقة الأمر لا يحب النساء . المال هو حبه الوحيد . يترك أسرته فى مصر لأن حياتهم هناك لا تكلفه الكثير . و هو لا ينشد لدى النساء اللاتى يسعى إليهن فى باريس الحب أو حتى الجنس . بل يعيش عالة عليهن ، لكى يدخر المزيد من المال .
- و لكن كيف يسمحن له بذلك ؟
- لأنه يحسن اختيار ضحاياه ، فلا يقترب من امرأة إلا إذا كانت حالة يائسة : امرأة بارت سوقها لسبب أو اّخر : عانس مزمنة أو أرملة أو مطلقة طالت عليها الوحدة . و هو عندئذ يلتقى بها يومياً أو بصفة شبه يومية حتى تدمن صحبته ، فيستغلها مالياً على نحو أو اّخر .


قلتها إذاً ، نطقت بها ، خرجت من فمك كالرصاصة . عرفت أننى امرأة يائسة . فهل كان ينبغى أن أشرح لك يأسى ؟ و لكن وجهك الوسيم كان صلباً كأنه قد من صخر . و قلت : " كلا لن تستطيعى الجمع بينى و بينه " . امرأة فى السابعة و الثلاثين دون زوج أو طفل . وسط من حيث الجمال . لا تكف عن السفر . تقضى يومين هنا و أسبوعاً هناك . المترجمون الفوريون يقضون حياتهم بين الطائرات و الفنادق . و ليس هناك مجال للعلاقات المستقرة . بعد التوتر الذى يعانونه فى العمل تنتابهم حمى التعطش للعلاقات العابرة على هامش سهرات البوكر و الشراب . قصص للحب تنتهى بانتهاء الرحلة .

علاقتى بك استمرت بعد أن عدنا إلى باريس ، و لكنك معروف فى مجتمع المترجمين الفوريين بغزواتك . و أنت تصغرنى بسنتين . و أنا لا يمكن أن أكفيك . و أنت فى حقيقة الأمر لا تريد أن أكون لك وحدك فأقيدك بكثرة مطالبى . كيف يمكننى أن اّمن لك ؟ كان من الممكن أن تدمرنى . ثقتك المطلقة بنفسك و تفاؤلك الدائم و سعادتك بالحياة كلها أمور تثير الحسد ، و لكنها فى النهاية لا بد أن تثير الخوف منك . قلبك هذا الذى يبدو أنه لم يعرف الحزن : هل هو قادر على التعاطف مع أى إنسان ؟ كنت أخاف أن تهجرنى ، بل كنت متأكدة من أنك ستهجرنى . كنت محتاجة إلى رجل أجده بجانبى عندما تتخلى عنى . و كان مصطفى هو ذلك الرجل . كان صمام الأمان فى حياتى . بادرت بخيانتك قبل أن تخوننى . كنت امرأة يائسة .


كان الأفضل أن يبقى معى لكيلا أصبح فريسة سهلة لكل من هب و دب . الأفضل أن يستغلنى رجل واحد حتى أتمكن من مقاومة الاّخرين . و لاحظت عبر الشهور و السنين كم كان بخيلاً و مقتراً حتى على نفسه . كان يكره الإنفاق . كانت يداه ترتعشان عندما يخرج الفلوس من جيبه أو يضطر على التوقيع على شيك . و فى بعض الأحيان كان يتصبب عرقاً . و لكن كان هذا يكفينى أن يكون معى . ينتظر وجباته طالما كنت فى باريس . و إذا سافرت سافر معى أو عدت فوجدته فى البيت أو فى طريقه إلى العودة . و ذلك ما لم تفهمه أنت .

بل كنت أحلم بأن أحمل منه . و لكن ذلك لم يحدث . و إذا كان هناك من يلام على ذلك العقم ، فليس هناك من يلام سواى . لا عيب فى الرجل : لقد أنجب أربعة أبناء من زوجته المصرية الخصبة . أما أنا الفرنسية المتوترة التى لا تستسلم حتى لو استسلمت ... ثم عاد إلى مصر . ترك البيت أثناء غيابى ذات مرة دون سابق إنذار . وجدته قد نقل كل ما كان له فى الشقة ففهمت . و لم يتحطم قلبى على فراقه . كانت حياتنا فى السنوات الاخيرة قد انتهت إلى حالة من التعايش السلمى و الركود الدائم .


فهلا نظرت إلى و ابتسمت محيياً ؟ لم أعد أخشاك ، و لست أعتقد أن لديك ما يخيفك منى . أحلم بأن نجلس معاً فى حديقة عامة تحت الشمس بعد ذوبان الثلج ، و أن نتحدث . ماذا يمكننى أن أقول لك ؟ ربما قلت إننى غفرت لك هجرك لى منذ زمن بعيد ، و لعلك قد غفرت لى خيانتى . كل منا يا عزيزى مقيد بوجوده حبيس بدنه . و لعلنى أسألك كيف تنظر غلى ما تبقى من العمر . أيحزنك شعورك بأن الزمن أصبح ينحسر عنك إلى الوراء بعد أن كان يترامى أمامك ؟ و ما قولك فى الموت و قد أصبح غير بعيد ؟ هل هناك طريقة للابتسام عند قدومه ؟ أو الضحك ؟ هل وجدت أنت الضحوك وصفة سحرية ؟ من الذى قال إن الرجل الحر لا يهاب الموت ؟ ألم يئن الأوان بعد لكى أكون حرة ؟ حرة من خوف الموت و من الشعور بالغيرة و الحسد . إذ لا أخفى عليك أننى ما زلت أغار أحياناً عندما أشاهد عبث الفتيان و الفتيات . و قد أرى رجلاً يخاصر امرأة فأتذكر كيف كنت ترفعنى فى الماء و تقذف بى فى الهواء فأولول . و ما زلت أذكر بتفصيل مروع ما فعلته بى فى تلك الليلة العاصفة . أجل ما زلت أعرف الغيرة و الحسد رغم أن الشهوة انقضت . تنقضى الشهوة و لكن غيابها لا يكف عن إيلام النفس . و لا بد إذن أن تكون هناك طريقة ما للابتسام فى وجه الموت سخرية منه أو فرحاً بما كان . لا بد أن هناك طريقة ما للتصالح على الدنيا ساعة الخروج منها . و من عساه يعرف هذه الطريقة سواك . أنت يا من أعطته الحياة كل شىء فأرتوى منها ؟ فهلا جلست بجانبى تحت الشمس و ألقيت إلى همساً بالصيغة السحرية ؟


و لكن صلاح لم يلتفت و لم يبتسم . و عندما توقف الأوتوبيس بالقرب من محطة السكة الحديد ، رأيته يهبط ببطء و تثاقل . و مضيت فى طريقى . ثم استدرت لألقى نظرة أخيرة عليه ، و لكنه كان قد اختفى . ثم توقفت عندما لاحظت التفاف الناس فيما يشبه الدائرة بالقرب من موقف الأوتوبيس . و لما عدت أدراجى و أخترقت الصفوف رأيت صلاح ملقى على الأرض . و كان هناك رجل يأمر الناس بحزم أن لا يقتربوا من الرجل المنهار و أن ينتظروا قدوم سيارات الإسعاف . خيل إلى أنه شرطى فى ثياب مدنية . ثم جاء رجل اّخر أشيب يحمل بطاقة بيد مرتعشة و قال : " أنا طبيب . دعونى أفحصه ، فقد يكون فى حاجة إلى إسعاف سريع . " و أمسك برسغ صلاح . ثم وضع سماعته على صدره . ثم وضع مراّة أمام فمه . ثم صوب ضوءاً نحو إحدى عينيه . ثم نهض ليعلن عن وفاة الرجل الملقى على الأرض . و خيل إلى أن شخصاً قال : " أليس من فيكم من يعرف هذا الرجل ؟ " و كان مصطفى يقف غير بعيد و كان كعادته يحرك بؤبؤ عينه الحولاء . و تقدمت قائلة : " أنا أعرفه . " و جثوت إلى جانب الرجل الملقى على الأرض . و وضعت أذنى على صدره . كأننى لم أصدق أن مثله يموت . نعم أعرفه . إنه رجلى .



تمت






الجمعة، 15 أغسطس، 2014

( الخالق - أحمد شافعى ) - أقتباسات

- " صدقونى لو أعطانى أحدكم حصاة أو ورقة شجر أو حتى حبة رمل ظلت الأيادى تتناقلها عبر قرون حريصة لأى سبب على بقائها ، لسجدت إجلالاً لكل هذه الأيادى ، و لحملتها مثلما يحمل مؤمن خبزه المقدس ، و دعكم من القداسة ، لو أن هناك حبة رمل كهذه فأنا أحبها ، لأن كل هؤلاء الناس أحبوها فأخلصوا لهذ الحب .
يا لمحمد هذا ! كم من دمعة ذرفتها فى حبه عيون لم تره .



- يرونها معجزة لأن فيها طيوراً تطير بأقفاصها ، و طيوراً تنتف ريشها بنفسها ، و طيوراً تقترب من شخص حبسه الشارع فى مكانه عندما تحول إلى نهر فترمى إليه بسمكة حية إما أن يأكلها نيئة ، أو يتركها تتفسخ أمام عينيه الحيتين ، إلى أن يتفسخ هو أمام عينيها الميتتين . و طيور تقترب من أثنين يتكلمان ، فإذا بالذى يقولانه يتردد بعد لحظة عبر ميكروفونات المدينة .



- من ينظر إلى هذه الثمانين ألف دونم ، المرتفعة عن سطح البحر بنحو سبعمائة متر ، فسيرى أمامه حدبة هائلة ، لا ينقصها لتكون حوتاً صغيراً إلا بعض الزركشات ، خرزتان عملاقتان تكونان عينين ، بضعة أمتار من السيراميك و بضعة أطنان من الأسمنت للزعانف و الذيل ، ثم تُرش المدينة على سطح هذا الحوت ، و توضع من تحته مساحات عشبية واسعة ، فإذا الذى لدينا سمكة كبيرة على طبق من البقدونس . و يمكن للبروبجندا فى هذه الحالة أن تتكلم عن مدينة على البحر ، مستلهمة من البحر . أى شىء يلائمه شاطىء البحر أكثر من حوت ؟ و بوسعكم فى هذه الحالة أن تسموها " موبى ديك " ، لم لا ؟
و لكن حوتاً على شاطىء البحر يا سيدى لا يكون إلا نافقاً ، منتحراً ، جثة لا ينبغى أن يعيش عليها إلا الدود و الضباع .



- لأمرِ ما لم تبهرنى الجبال . لا أرى الجبال إلا و أتصور عامل نظافة عملاقاً كان يكنس كوكب الأرض فى عصر الديناصورات و يكوم القمامة كومات صغيرة ثم لا تأتى عربة تحملها بعد ذلك .



- لماذا توصف الحفلات الكبرى بالأسطورية ؟ هل المقصود أنه حفل لم يُر له مثيل من قبل ؟ فلنقل هذا فقط : حفل لم يُر له مثيل من قبل . أعجابى بالأساطير و كرهى الشخصى للحفلات يجعلنى أشمئز من قرانهما على هذا النحو . أقترح أن توصف الحفلات الكبرى بالواقعية مثلاً ، خاصة و أن فى كليهما ابتذالاً .





- سرقة الكتب أهون جرائمى ، و أجملها . بوسعى أن أدين نفسى بجرائم أشنع بكثير ، قرائية أيضاً ، و أن أقبل بصدر رحب إدانات كل راغب فى إدانتى بجرائم كتابية . و لكن ستبقى أخطر الجرائم و أشنعها و أجدرها - فى نظرى أنا - بأشد ألوان العقاب هى جريمة قتل ذلك القارىء القديم ، الذى كان يسرق من مكتبة بيت الثقافة فى الصباح المجلد الأول من الجريمة و العقاب فلا يحل عليه الليل إلا و هو نادم أنه لم يسرق المجلد الثانى أيضاً ، و أنه سوف ينتظر إلى الغد ليعرف ما الذى سيكون من أمر " راسكولينكوف " مع " اّراكادى إيفانوفتش سفدريجايلوف " .
المشكلة أننى لن أستطيع تمثيل الجريمة أبداً . لا لأن القاتل ليس له تمثل مادى إلا الذى هو لى أنا . و لكن لأننى بصدق لا أذكر كيف و متى قتلته بالظبط ، و لأننى لا يمكن أن أصف أداة الجريمة . لا أستطيع حتى أن أقطع إن كنت قتلته بنفسى ، أم شاهدت مقتله بعينى ، أم غفلت عنه ثم لم أنتبه إليه إلا و قد صار جثة هامدة لا تنفعها قبلات الحياة .



- ما الذى تعنيه صورة دوريان جراى ؟
نعرف أنه لا وجود لصورة من هذا النوع ، لا وجود لهذا اليسوع القماشى الذى يتحمل الأوزار نيابة عنا ، بل أن كل وازرة تحمل اّثار أوزارها - لو صدقنا " أوسكار وايلد " - فوق عنقها ، دليلاً دامغاً . فهل كل تلك الوجوه التى نعرف بها بعضنا البعض لا تعدو أن تكون صحائف لحالاتنا الجنائية ؟
أهى مجرد صور تنوب عن أصول دائمة الشباب لا ينال منها الزمن و لا تخدشها الخطايا ؟ هل ثمة هذا الجوهر النقى أبداً ؟
هل هذا ما يريد " أوسكار وايلد أن يقوله ؟
أن فينا بجانب الكلى و الأكباد و القلوب و كل ما يبليه الزمان شيئاً من غير هذا العالم لا ينال من وضاءته و ملاحته أى شىء ؟
" أوسكار وايلد " يقول بالروح ! اللفظ المستخدم فى الرواية على أى حال ، حينما يطلب " دوريان " من " باسيل " قبل أن يقتله بدقائق أن يتقدم ليزيح الستار عن " وجه روحى " .



- لماذا ينتحر الناس ؟ لماذا ينتحر أى أحد ؟ لماذا يلقى أحدنا علبة السجائر فى أقرب سلة قمامة أو بطول ذراعه بمجرد أن تنفذ سجائرها ؟
لماذا لا نظل نلح على علبة خويت من السجائر أن تمدنا بالمزيد ؟ لماذا لسنا مهرة فى البانتومايم - على الأقل - فنستل من علبة سجائر خاوية أو غير موجودة أصلاً سجائر نشعلها بثقاب و نأخذ فى تدخينها ؟
لقد انتحر " مسانارى " لأنه ليس هذا الماهر فى البانتومايم ، لأنه ليس هذا الممثل البارع ( و كل ممثل بارعً بقدر خوائه من ذاته أو غفلته عنها ) ، لأنه ببساطة لم يرد أن يمثل دور شخص يعيش .