الجمعة، 22 فبراير، 2013

" السماء و البحر و الأرض " تأليف : ماريا لويزا بومبال

أعرف الكثير عن أشياء لا يعرفها أحد . علاقتى حميمة بعدد هائل من الأسرار السحرية الصغيرة للبحر و الأرض


أعرف مثلاً أنه فى أعماق المحيط ، و فى منطقة كثيفة العتمة ، يُعيد المحيط إضاءة ذاته ، و ينبت ضوء ذهبى ساكن من إسفنج هائل أصفر و مُشِع كالشموس . تعيش هناك كل أنواع النباتات و الأحياء الجليدية مغمورة فى ضوء ذلك الصيف البارد و الخالد : شقائق النعمان البحرية الخضراء و الحمراء تلتف حول ذاتها فى مروج رحبة حيث يوجد قنديل البحر الشفاف الذى لم تفصم عرا جدائله قبل أن تحط على قدر طواف فى البحور ، و يشتبك حجر المرجان الأبيض الصلب فى أدغال ساحرة حيث تنزلق أسماك ذات مخامل ظليلة تنفتح و تنغلق بنعومة كالزهور ، هناك خيل البحر يتبعثر شعره الطحلبى حوله فى هالة راكدة حين يعدو فى صمت ، و إذا رفع أحدهم قوقعة معينة رمادية متواضعة الشكل فمن المؤكد أنه سيجد تحتها حورية البحر تبكى


أعرف الكثير عن بركان تحت الماء متواصل الفوران ، فوهاته تفور بلا تعب ليلاً و نهاراً ، و تنفث فقاعات كثيفة من الحمم الفضية نحو سطح الماء


أعرف أنه أثناء المد المنخفض ، تبقى قيعان البحر المزخرفة بشقائق النعمان اللطيفة عارية على الصخور ، و أنا أرسو مع ذلك الذى يتشمم البساط المتوهج الذى يلتهمه


أعرف الخلجان المفعمة بالزبد الأبيض الأبدى ، حيث تسحب الرياح الشرقية ذيولها الملونة التى لا تُحصى ببطء


هناك إمرأة شديدة البياض عارية تغرق . يحاول كل صيادى الشاطىء اصطيادها فى شباكهم بلا جدوى .. لكنها ربما لا تكون أكثر من طائر نورس مُبتهج تسحبه تيارات مياة المحيط الهادىء جيئة و ذهاباً


علاقتى حميمة بالطرق الخفية و القنوات الأرضية حيث يصفى المحيط المد ، ليصعد إلىّ تلاميذ إمرأة معينة تتطلع فجأة إلينا بعينين خضراوين عميقتين


أعرف أن السفن التى سقطت أسفل سلم الدوامة ، لا تزال تسافر قروناً تحت ، بين الصخور المغمورة ، ذلك أن صواريها وقعت بين أذرع أخطبوط حانق و التفت حولها قناديل البحر

كل هذا أعرفه عن البحر


أعرف عن الأرض أن من يستطيع إزالة قشرة من أشجار معينة ، سيعثر على فراشات نائمة ملتصقة بالجذع ، و أن أول شعاع من الضوء يثقبها و يحطمها كدبوس طائش لا يمكن تهدئته


أتذكر حديقة خريفية و أراها . أوراق الأشجار مكومة و ذاوية فى طرقاتها الواسعة ، و تحتها مستنقع من الضفادع الملونة طحلبية جبانة ترتجف ، و على رأسها تيجان ذهبية . لا يعرفها أحد ، لكن الحقيقة أن كل الضفادع أمراء

أخاف من لعبة " سأريك الطريق " خوف طفل لا حد له
لعبة " سأريك الطريق " دخان ملون ، و هى تعيش مرمية أسفل الأدغال ككومة رماد بائسة . ليس لديها سيقان لتسير ، و لا عيون لترى ، لكنها عادة تطير بعيداً فى ليالٍ بعينها بأجنحة سميكة قصيرة ، لا أحد يعلم أين تذهب و لا من أين تعود فى الفجر ملطخة بدماء ليست دماءها






علاقتى حميمة بدغل  جنوبى بعيد فى أرضه الموحلة تفتح ثقباً ضيقاً و شديد العمق فإذا أملت وجهك نحو الأرض و نظرت سترى على مرمى البصر شيئاً مثل سحابة من التراب الذهبى يتحرك فى لفات متقلبة


لكن لا شىء يُذهلك أكثر من ميلاد الخمر ، لأنه ليس حقيقياً أن الخمر تولد تحت السماء داخل كرمة معتمة من الماء و الشمس ، ميلاد الخمر معتم و بطىء ، أعرف الكثير عن ذلك النمو المختلس فقط بعد إغلاق أبواب قبو الخمر الباردة و بعدها تنشر العناكب ستائرها الأولى ، تقرر الخمر أن تنمو فى أعماق البراميل الكبيرة المحكمة الإغلاق . كمثل التيار تعانى الخمر من النفوذ الصامت للقمر الذى يرغمها الاّن على التراجع و يساعدها على أن تطفو عائدة . و هذا هو سبب ميلادها و نموها فى ظلام شتائه و صمته


أستطيع أن أحكى شيئاً اّخر عن الأرض . أعرف بقعة جدباء حيث بقيت قرية مدفونة فى كثبان الرمل ، الشىء الوحيد الذى يخرج منها هو قمة برج الكنيسة . أثناء الليالى العاصفة يتحرك كل صولجان مضىء بفتور نحو السهم الوحيد ، منتصباً فى منتصف السهل ، ملتفاً حوله ، يصفر حتى يغرق أخيراً فى الرمال
و يقولون أنه عندئذ يهتز البرج المفقود من أعلى إلى أسفل و يُسمع صدى رنين أجراس ناقوس تحت الأرض


من جهة أخرى ، السماء ليس لديها و لا حتى سر صغير رقيق . بشكل لا يمكن تغييره تنشر خريطتنا المُرعبة فوقنا


أحب أن أعتقد أننى أمتلك نجمى ، ذلك النجم الذى أراه يلمع لوهلة لى فقط كل يوم فى العتمة ، و ليست خطواتى فقط فى ذلك النجم بل كذلك يصير لضحكتى و لصوتى صدى
 لكن واحسرتاه ، أعرف تماماً أنه لا يمكن أن توجد حياة من أى نوع حيث تغير الجزيئات أشكالها ملايين المرات كل ثانية ، و لا يمكن لأى جزيئين أن يظلا متحدين 
يجعلنى هذا أخاف حتى أن أنطق أسم الشمس . إنها غاية فى القوة ، لو أنهم يعزلوننا عن شعاعها ، سيتوقف فى التو تدفق الأنهار


لا أكاد أتجرأ بالكلام عن نسر ضخم تدفعه الرياح خلف الغلاف الجوى للأرض ، و لا يزال حياً ساقطاً فى مساحة بلا حدود لعدد لا يُحصى من السنين


ربما يجيب السقوط المفاجىء للشهب على نداء غير متوقع من الخلود الذى يقذفها ليصنع أشكالاً هندسية معينة من النجوم الساطعة المرصعة فى ركن ناءٍ من السماء . ربما


لا ، لا أريد أن أتحدث أكثر من ذلك عن السماء ، لأننى أخشاها ، و أخشى الأحلام التى تلج ليالى دائماً . ثم تصعد إلىّ على سلم نجمى أتسلقه نحو قبة لامعة . يكف القمر عن كونه قرصاً شاحباً فى القبة الزرقاء ، ليصبح كرة قرمزية تدور فى الفضاء وحيدة ، و تصبح النجوم أكبر حجماً فى وميض الاّشعة ، تقترب مجرة درب اللبانة ، و تصب أمواج نيرانها ، و لحظة بلحظة أقترب من حافة ذلك الجرف المُشتعل


لا ، أُفضل أن أتخيل سماء نهارية بقلاع طوافة من السحب تثير فراغاتها المُرتعدة أوراق الخريف الأرضية الجافة و الطيارات الورقية التى تضيع من أبناء البشر و هم يلعبون




تمت