الجمعة، 27 يوليو، 2012

تعال معى إلى الكونسير - يحيى حقى ( اقتباسات )

من القفشات التى يتندر بها الغرب على الشرق ، رواية تزعم أن شاه إيران - من أسرة كاشغار إبان انهيارها - حين سمع تجربة الاّلات صفق طرباً ، ظن أنهم يعزفون لحناً جميلاً ، و طلب استعادته ، عبثاً حاولوا إفهامه أن اللحن قادم و أن الذى سمعه هو النشاز بعينه


و قبلت الموسيقى الحديثة لشىء واحد ! دلالتها على العصر الذى نعيش فيه . إنها فى نظرى صادقة فى تعبيرها عن التمزق و التشتت و الضجة و انعدام التؤدة و قلة الصبر و الاكتفاء باللمحة الخاطفة عن العبارة الطويلة ، إن يكن التراث قريباً من قلبى ، فهى قريبة من عقلى . إذا قلت أنها أشبه شىء بالهذيان المختلط فإن من هذا الهذيان يستخرج علماء التحليل النفسى عناصر الشخصية ، و لعلهم يقولون لولاه لما عرفناه . هى موسيقى إن نفى عنها التطريب فقد نفى عنها الإملال ، لأنها تعتمد على الصدمة و القفز و التنوع و أعترف أنى أدخل بيتها دخول الغريب الذى لا يسوقه إلا حب التطلع ، لا دخول العاشق الذى يسعى إلى اللقاء مع الحبيب


إياك أن يرهبك مطلب المعاصرة أو تهمة التخلف ، فخير لذوقك الموسيقى أن تكون عاقاً لعصرك صادقاً مع نفسك من أن تكون عاقاً لطبعك مسايراً لعصرك


و هذه فتاة عالية الجبين ، وحيدة ، فى ثوبٍ حديث و لكن لها ظل راهبة ، جمدت ، أغمضت عينيها و أحنت رأسها على صدرها . جميع أوتار روحها و جسدها مشدودة كأنما لم يبق فيها عصب إلا جز على أسنانه من شدة حرقته و تحفزه ، هى مثال مجسم لوقدة متكتمة و رنين من طبقة لا تسمعها الاّذان ، كرنين دوران الأرض غابت فى ملكوت الله ، لو قامت القيامة من حولها لما انتبهت ، أناجيها فى سرى : رفقاً بنفسك يا فتاتى ، هل أقول لكِ : " بعض هذا الطموح " اتركى شيئاً من نفسك للأرض ، هل أقول : " بعض هذا الشجن " أى عقدة تعانى منها حياتك ؟ أهو صراع مع روحك يورثكِ الضنى ، أهو صراع من إنسان اذاقك مرارة الأمل الخائب و الخيال المنكسر ، لا تنتهى الدنيا بأزمة واحدة أو تجربة واحدة ، أم أنكِ فى عز نوبة من عشق ، فأنتِ تتبتلين إلى طهره فلا ترينه إلا طاهراً ، فهذا خشوعك بين يديه ؟


و هذان شيخ و عجوز متجاوران - لعلهما زوجان - مالت إليه و مال إليها ، ربما تلامست الأيدى ، دفع بهما مر الأيام خطوة إلى الهرم فإذا هو سجن يضيق شيئاً فشيئاً ، جاءا ليُحدثا فيه ثغرة ينفذ إليهما منها شعاع من أيام شبابهما الخوالى و لينعما بمتعة بقيت لهما بعد أن زهدا - عجزا - عن نعم الحياة ، تُجللهما قناعة و تؤدة و انصياع ، تصلهما الموسيقى مهما كانت رجتها كأنها حكاية عن حفل بعد انفضاض ضجته ، هيهات أن تنفض لهما عصباً ، تأثيرهما بها مستمد من حدسهما لتأثر الاّخرين ، فما الهرم إلا انقلاب للغص اللين إلى الرث اليابس





أنى أومن أن كل عمل كبير يظل - حتى و لو كان العازف هو الملحن نفسه - لا يُفضى بكل أسراره فكماله فى عالم الخيال ، و الروح مهما صفت لا تنجو من غيام


الأوركسترا حبيب ينبغى ألا تأخذه بالحضن ، بل تقف منه موقف الحشم من الملوك ، إن سُمح لك أن تتأخر خطوة تأخرت من فرط الأدب خطوتين . ما أعجب جمال هذا الحبيب ، يتبين لك من بعيد لا من قريب


من مقعدى الضنك استعرضت عدداً غير قليل من قادة الأوركسترا العظام ، سأحدثك عن بعضهم فيما بعد ، فيهم من يُمسك عصا القيادة و هى رقيقة قصيرة كأنها أخت مودرن لعصا المارشالية . إنها من قبيل لزوم مالا يلزم فاليد بسبابتها قد تغنى عنها فى الإشارة ، لذا نجد من القادة من لا يستعين بها فيكون فى نظرى أعلى مقاماً ، إنها عندى رغم خفتها بمثابة الطقم الذى يوضع على ظهر الجواد ، أريد أن يتحرر القائد من كل نافلة و من كل ثقل مهما كان
و مع ذلك فمن اللحظات السعيدة النادرة عند هواة الموسيقى هى تلك اللحظة التى نرى فيها هذه العصا مرفوعة فى الهواء و قد خفت الأضواء تنتظر أن ينعقد تماماً الصمت فى الصالة و تمام الأهبة من أفراد الأوركسترا ، أن يتلاقى حشد أعصابهم فرداً فرداً فى ذروة جامعة واحدة ، أن يتولد الخيط الواحد الذى سيسلكهم و يشدهم . لحظة تنتظر أن تتحرك هذه العصا فينطق اللحن . ما أشبهها باللحظة المضيئة التى يستنير فيها الكون كله و يتبين كل خفى و يعود كل ماضٍ و ينكشف كل مستقبل ، اللحظة السابقة تواً لنوبة الصرع - لقد وصفها ديستويفسكى أبرع وصف ، لأنه خبرها - فى تلك اللحظة أحس أن الجماد قد ارتقى إلى مرتبة الإنسان و تهيأت له الفرصة لأن يحدثنا عن ضميره ، عن فرحه و وجيعته ، و من عجبٍ أن يد القائد وحدها لا توحى إلينا بمثل هذا الذى توحى به قطعة هزيلة من الخشب


الربط بين العمل و صاحبه يُضفى على التذوق دفء الصداقة و لوعة المأساة عند الإحساس بفناء الفنان و خلود عمله فى كل وقفة أمام لوحة ، و فى كل جلسة للاستمتاع إلى لحن صلاة خافتة و ترحم على إنسان عاش على هذه الأرض ثم قضى بعد أن وهبنا الجمال

الثلاثاء، 24 يوليو، 2012

شهر زاد - توفيق الحكيم ( اقتباسات )

شهرزاد : فلنعد إلى حديثنا السالف .  لماذا تظن أنى أحب شهريار ؟ هل رأيتنى يوماً أقبله .. ؟
الوزير :- ( فى قوة تشوبها حدة ) إنكِ فعلتِ أكثر من هذا : إنكِ بعثته
شهرزاد : ( باسمة ) أميتاً كان هو ؟
الوزير : كان أكثر من ميت . كان جسداً بلا قلب . و مادة بلا روح
شهرزاد : ( باسمة ) و ماذا ترانى صنعت به ؟
الوزير : ( فى اقتناع ) خلقته من جديد
شهرزاد : ( مازحة ) فى سبعة أيام ؟
الوزير : ( جاداً ) فى ألف ليلة و ليلة
شهرزاد : ( مازحة ) هذا كثير
الوزير : أليست قصص شهر زاد قد فعلت بهذا الهمجى ما فعلته كتب الأنبياء بالبشرية الأولى ؟


شهريار : من أنتِ ؟
شهرزاد : ( باسمة ) أنا شهر زاد
شهريار : كفى عن الخب و الدوران ! أعرف أن اسمك شهرزاد ، لكن من تكون شهرزاد ؟
شهرزاد : ابنة وزيرك السابق
شهريار : أعرف كذلك أن وزيرى أنجب شهرزاد ، كما أعرف أن الله خلق الطبيعة ، كى لا يقال إن شهرزاد بنت لقيط ، و كى لا يقال إن الطبيعة بنت المصادفة ، لكنك تعلمين أنى لست ممن تقنعهم هذه الأنساب
شهرزاد : لماذا ؟ لم لا تريد أن ترى فى امرأة ككل النساء ذات أب و أم و ماضٍ معروف ؟
شهريار : أنتِ لستِ امرأة ككل النساء
شهرزاد : أتمدحنى أم تذمنى ؟
شهريار : لست أدرى . بل قد لا تكونين امرأة
شهرزاد : أرأيت إلى أى حد أصابك الخبل ؟
شهريار : قد لا تكون امرأة . من تكون ؟ إنى أسألكِ من تكون ؟  هى السجينة فى خدرها طول حياتها تعلم بكل ما فى الأرض كأنها الأرض ! هى التى ما غادرت خميلتها قط تعرف مصر و الهند و الصين ! هى البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال ! و تدرك طبائع الإنسان من سامية و سافلة ! هى الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء ، تُحدث عن تدبيرها و غيبها كأنها ربيبة الملائكة ، و هبطت إلى أعماق الأرض تحكى عن مردتها و شياطينها و ممالكهم السفلى العجيبة كأنها بنت الجن . من تكون تلك التى لم تبلغ العشرين قضتها كأترابها فى حجرة مسدلة السجف ؟! ما سرها ؟ أعمرها عشرون عاماً ؟ أم ليس لها عمر ؟ أ كانت محبوسة فى مكان ، أم وجدت فى كل مكان ؟ إن عقلى ليغلى فى وعائه يريد أن يعرف .. أهى امرأة تلك التى تعلم ما فى الطبيعة كأنها الطبيعة ؟

السبت، 21 يوليو، 2012

ساّتى فى خميسٍ اّخر - د/ أيمن الجندى

لم أصدق  ! أقسم أننى حتى الاّن لم أصدق ! عقلى الباطن يأبى الاعتراف بالحقيقة . يسميها علماء النفس " ميكانيزمات الدفاع " . سأشرحها لكِ يوماً يا عزيزتى فى الشرفة الواسعة ، حينما نجلس معاً ساعات طويلة ، الشارع تحتنا ، و السماء فوقنا ، و هواء الليل يُطيرنا ، و ثمرة برتقال نتقاسمها ، مثلما اعتدنا فى الأيام الخالية . أيامنا الجميلة ، بعد أن فرغ البيت إلا منى و منكِ ، ماتت أمنا ، ثم والدنا الذى تقاسمنا رعايته . و تزوجت شقيقاتنا تباعاً فلم يبق إلا أنت و أنا

قبل زواجك ، و انتقالك إلى بيتك الجديد ، كنت اترقب فى قلق هذا الذى سيأخذك منى . جزء داخلى يتمنى زواجك و يرجو سعادتك . و جزء داخلى يهاب زواجك و ابتعادك عنى . و أنتِ تقرئين مخاوفى على وجهى و تضحكين منى : يعنى شايف العرسان واقفين على الباب ؟
و أغضب أنا و أجرى لأحضر المراّة . و أقول لك : أنظرى كم أنتِ جميلة

جميلة .. و لكنه ليس الجمال المصبوغ الذى يثنى الأعناق ، الجمال الداخلى الذى يحتاج - كى تراه - أن تكون جديراً بأن تراه

سأحدثك بمجرد أن نلتقى عن " ميكانيزمات الدفاع " ربما تجدين فيها ما يفسرأحوالى بعد الذى حدث . أعرف أنكِ ستنصتين لى فى اهتمام . أعرف أنكِ ستنظرين نحوى فى إعجاب . أعرف أنكِ ستوافقين على كل اّرائى . ألستُ ابنكِ الذى لم تنجبيه ؟ و شقيقك الصغير المدهش الذى دللته صغيراً و صادقته كبيراً ؟ أليست كل كرة حمراء تجرى فى دمك تحمل شكلى ، و تعرف اسمى ، و تفهمنى من نظرة واحدة

سأقول لكِ ما هو اّت

حينما تواجه النفس موقفاً رهيباً كالذى حدث ، موقفاً تصبح الحياة بعده مستحيلة ، أو مؤلمة بشكل لا يمكن احتماله ، أو التعايش معه ، فإن العقل - دون أن يدرى - ينكره . الجزء الرحيم فى نفوسنا يأبى التصديق ، و من ثم يعتبره لم يحدث أصلاً و هكذا تنتهى المشكلة ببساطة ، و تصبح الحياة ممكنة ، هذه الحياة الرهيبة الغامضة التى لا تعرف ماذا تخفى لك غداً

هكذا يا عزيزتى استطعت أن أكمل الحياة ، و أعيش خمس سنوات أخرى . لاحظى أننى لم أكتب عنكِ كلمة واحدة ، أنا الذى كتبت ملايين الكلمات ! لأننى ببساطة لو كتبت فهذا معناه أننى صدقت ، و لو صدقت فلن أحيا بعدها دقيقة واحدة . سأقتحم بيتنا القديم و أرمى نفسى من شرفته . أو أهيم فى الشوارع كالممسوس . أو أنكفىء صارخاً حتى تسمعنى فى جوف الأرض الكائنات الحبيسة

و لكن هذا لم يحدث لسبب بسيط : هو أننى أنكر أصلاً حدوث أى شىء !! حينما كنا نتلقى العزاء فى بيتنا الريفى كان أصدقائى يرمقوننى فى قلق ، و يتخوفون أنى قد أقوم بحماقة
أما أنا فكنت شارداً فى تأمل ثمرة البرتقال التى أثقلت غصن الشجرة فى اّخر الفناء . و أفكر فى شىء واحد : متى يذهب هؤلاء المتطفلون لأقطفها و أحملها إليكِ ؟
أعرف كم تحبين البرتقال المقطوف من الشجرة مباشرة ، أعرف حبك للأشياء الأصيلة

خمس سنوات كاملة ، و أنا اقول : سأذهب إليكِ فى الخميس المقبل . كل ما هناك أن هذا الخميس لا يأتى أبداً ، فأنتِ تعرفين مشاغلى ، و تعرفين أن بيتكِ بعيد ، و تعرفين أننى لم أفتقدك ، أو أشعر بشوق إليكِ ، فالشوق لا يكون إلا لغائب . و أنتِ معى طيلة الوقت ، كنز من الذكريات و اللحظات الحميمة

المهم و لكيلا أطيل عليكِ ، انتظرينى الخميس المقبل . ساّتى و جيبى منتفخ بثمرة برتقال نتقاسمها معاً . و إذا لم أجىء هذه المرة فهذا ليس معناه - كما يزعمون - أنكِ قد مت ، و لكن معناه فقط أننى ساّتى حتماً ، و لكن فى خميسٍ اّخر