الأحد، 25 مارس، 2012

أصل الخصومة بين العقاد و توفيق الحكيم ( الأخيرة )

إزاء هذا لم يجد الحكيم بداً من معاتبة الزيات صديقه الذى سمح بنشر كلمة الملاكم الأدبى " زكى مبارك " فى الرد عليه . فكتب فى الرسالة يقول :-

" صديقى الزيات ، حتى أنت قد خاب أملى فيك ! أنا الذى دعا إلى الصفاء بين الأدباء كما رأيت و بذلت فى ذلك ما بذلت ، فإذا كان كل هذا يسفر عن كلمة سمحت أنت بنشرها فى العدد الأخير من الرسالة كلها ايذاء لشخصى دون مبرر ، كلمة لم تدعُ إليها مساجلة أدبية ، و لم يبتغِ بها الأدب و الفكر ، و لكن دعت إليها شهوة الهجوم و التجريح لمجرد الزهو و الخيلاء بالهجوم على و تجريحى .

لقد صدمنى حقاً ما رأيت من أن الأدباء فى مصر - مع الأسف - لا يحسبون حساباً لغير الكاتب الذى يبرز مخالبه ، و يُكشر عن أنيابه ، و يتهيأ دائماً للوثوب .. أنا الذى أراد من الأدب أن يكون حديقة غناء سياجها الصفاء إذا بى أراه حرشاً من الأحراش المأهولة بالضوارى .. ما هى فى واقع الأمر رسالة الأدب إلى البشر ، أهى شىء اّخر غير ترويض كواسر الناس و أفهامهم أنهم أرقى من الحيوان ، إن الأدب الرفيع هو الذى يثير المشاعر الرفيعة بما فيها من صدق و حب و خير و جمال .. و إن الأدب الوضيع هو الذى يهيج فينا الغرائز الحيوانية بشهواتها للفتك و البطش و العدوان .

كنت أظن يا صديقى الزيات - أن تلك هى رسالتك . و أن عملك فى مجلتك هو توجيه الأدب إلى هذه الغاية الفضلى .

خاب أملى فيك .. انما الذى خيب أملى هو أنى رأيتك قد حدت قليلاً عن رسالتك فى " الرسالة " و فى هذا خطر على شرف الغاية التى عاهدت نفسك و الناس عليها .. و قد أغتفر لك اهدار حق الصداقة و الزمالة ، أما هذه فلا .. هنا نفترق و ليكن اليوم اّخر عهدى بك و ب " الرسالة " و الأدباء .
لن أكتب شيئاً لك و لن أذكر بعد اليوم أديباً بخير و لا بشر . سأصمت عن أشخاصهم صمت القبر لأنصرف إلى الانتاج وحده من حيث هو انتاج " .


و قد يدهش القارىء حينما يرى العقاد يدافع عن توفيق الحكيم فى السنوات الأخيرة فينصفه فى الحملة التى شنها عليه أدباء الشبان على صفحات جريدة الجمهورية عام 1958 ، فقد كتب الأستاذ رشدى صالح عن قضية الاقتباس . و لمح متهماً الأستاذ توفيق الحكيم بأنه سرق كتابه " حمار الحكيم " من كتاب " بلاتيرو و أنا " لجوان رامون خمينيز الأسبانى و قد اشترك فى الحملة الصحفية كلا من جلال الدين الحمامصى و كامل الشناوى . فهب الأستاذ يوسف السباعى مدافعاً عن راهب الفكر فكتب فى 10 نوفمبر سنة 1958 مقالاً بعنوان " همسة " جاء فى ختامه :-

" ليس توفيق الحكيم أبداً هو الذى يُنعت بأنه حرامى و أنى على استعداد لأن أفعل أى شىء يمكن أن يرد اعتبار هذا الرجل " .

و كانت همسة الأستاذ " يوسف السباعى " على صفحات الجمهورية أشبه بالبترول الذى يسكب على النار فيزيد ضرامها و لهيبها اشتعالاً . و قد كان فكتب الأستاذ محمد التابعى كلمة رجاء على صفحات الأخبار إلى الأستاذ العقاد تحدث فيها عن حملة النقد التى أثارها كُتاب صحيفة الجمهورية حول كتاب " حمار الحكيم " لتوفيق الحكيم و هل يجوز أو لا يجوز لأديب أن ينقل أو يقتبس من أعمال و كتابات غيره دون ذكر أسمه أو أشارة إلى مصدر النقل و الاقتباس . و أشار إلى مواقف متعددة فى القصتين قصة " بلاتيرو و أنا " لخمينيز ، و قصة " حمار الحكيم " لتوفيق الحكيم .


فما كان من العقاد إلا أن أجاب رجاء الأستاذ التابعى فكتب مقالاً جعل عنوانه " السرقة و الاقتباس واحد " قال فيه :-

" و قبل البحث فى التشابه بين قصة توفيق الحكيم و قصة المؤلف الأسبانى ، نقول على الإجمال أننا لا نرى فرقاً بين سرقة الكلام بنصه و بين الاقتباس منه برفق أو بشدة دون الإشارة إلى مصدره ، و كل كلام عليه طابع صاحبه ، و فيه مجهود من ابتكاره و ابداعه ، فليس من الجائز أن ينقل على صورة من الصور بغير إشارة إليه و انما يعد سرقة كل كلام لا يدخل فى باب توارد الخواطر ، أو المعارضة المقصودة ، أو الأفكار التى تمليها ضرورات الموقف على كل كاتب يتناول الموضوع من بعض نواحيه " .

و بعد هذه التوطئة عن الاقتباس يقول العقاد :-


" نعود إلى المقابلة بين الكتابين .. فإن فهم الموضوع ضرورى للنظر فى التشابه بالسرقة المقصودة أو الاقتباس الرفيق أو الشديد " و بعد أن استعرض الكتابين و قارن مواقف المؤلفين قال :-

" ليس يخلو الحديث من اشارات عارضة تجرى على كل لسان فى أمثال هذه المواقف ، و لا يمكن أن يقال أنها عبارات ذات طابع خاص أو نظام مُبتكر لا يتكرر فى صفحات الكتب كيفما تواردت الخواطر أو تنوعت المَلكات .. و على ذلك فالكتابان مختلفان .. أقول هذا و أنا أتحدث عن خلاصات الكتاب الأسبانى ، و تعليق الرواة على مناظره و أحاديثه ، لأننى لم أقرأه مفصلاً باللغة الإنجليزية ، و لم تزد معرفتى بتفاصيله عن المامة بالنسخة الفرنسية ، و مراجعة عامة للنسخة الأسبانية التى أفهم عنواناتها و كلماتها لما فيها من المشابهة باللغة الإنجليزية ، و لا يسعنى أن أتقصاها كما أتقصى الكتابة الإنجليزية ، و لكن التعليقات الكثيرة التى قرأتها عن الكتاب و المقتبسات المتفرقة التى تخللت تلك التعليقات تحصر فكرة الكتاب و تدل على مجاله ، و وجهة مؤلفه فى أدبه و فنه ، و تشير إلى خواطره المهمة خلال الكتاب فلا يصعب الرجوع إليها و على قدر هذا الذى أعرفه أستطيع أن أقول أن المؤلف الأسبانى من " صنف فنى " غير الصنف الذى ينظر إليه الأستاذ توفيق الحكيم ليقتدى به أو يقتبس منه " .

و يختم العقاد مقالته بعنوان " بقافية و بلا قافية " :-

" و قبل ختام هذه الكلمة عن " حمار الحكيم " نعطى القافية حقها لأنها تُقدر ، و نرانا مضطرين إلى اتهام الأستاذ الحكيم بالسرقة البينة ، من مصدر مجهول ، فى موضع أو موضعين من كتابه ، و ذلك حيث يشير إلى البقشيش الذى جاء به لخادم الفندق أو لبائع الصحف أو لبعض السائلين هنا و هناك .
لا يا أستاذ توفيق .. دون هذا و يختفى الطبع و يظهر الاقتباس " .

و المدقق فى كلام العقاد يجد تبرئة صريحة و لا يجد تجريحاً صريحاً ، بل فيه نفى للاقتباس من الكتاب الأسبانى و اثبات للاقتباس من مصدر اّخر مجهول ملفوف بلفائف النكتة فى البخل و الشح على حد قول القصاص الأستاذ حبيب الزحلاوى إن لم تخنا الذاكرة .

و لم ينس الحكيم مجاملة العقاد له فحرص طوال حياة العقاد أن لا يُعكِر الصفو بينه و بين العقاد . و رغم محاولة أصحاب المقالب بين الأدباء الكبار الذين أوتوا من مهارة فائقة فى هذا المضمار فانهم لم يستطيعوا أن يستخرجوا كلمة من فم الحكيم فى حق صاحبه العقاد . فقد حاول الأستاذ أنيس منصور -  و هو كما يعرفه الأصدقاء من أمهر الصحفيين فى إثارة المعارك الصحفية - حاول أن يوقع الحكيم فى معركة مع العقاد فاتصل به تليفونياً عقب اّخر حديث تلفزيونى للعقاد فى برنامج " سهرة مع فنان " و نقل له رأى العقاد فى المرأة و سأله رأيه فيما أدلى به العقاد فى هذا الصدد فأجابه توفيق الحكيم قائلاً :-

" أنى موافق تماماً على كل كلمة قالها العقاد عن المرأة .. و العقاد ليس عدوها و انما صديقها ، بل هو أستاذها ، فالمرأة يجب أن تبقى فى البيت ، أن تتفنن فى عمل صينية بطاطس . أو طاجن بالفرن . فالبيت هو مكانها .. مجالها الذى تصنع فيه الأجيال القادمة . فإذا هى تركت البيت فمن الذى سيربى الأطفال " .

ثم حاول الأستاذ أنيس منصور مرة أخرى أن يجر الحكيم إلى الحديث فقال له أن العقاد قال له - أى لأنيس :-


" أن أدب توفيق الحكيم هو أدب البرج العاجى ، و هو أدب فكرى ، أدب واحد بعيد يتأمل . لذلك نجد أفكاره على هيئة حوار عقلى ، و لا نرى بين المتحاورين شخصيات مرسومة بوضوح . و لكن توفيق الحكيم لا يعيش فى البرج العاجى منعزلاً عن الناس فعنده أيضاً موضوعات تتعلق بالحياة الاجتماعية مثل " يوميات نائب فى الأرياف " و " عودة الروح " و مسرحيات عن الحب . فالبرج الذى يسكنه الحكيم ليس عاجياً و لكن بعضه من العاج و الباقى غرف للايجار يسكنها أناس حقيقيون . "

و علق توفيق الحكيم على رأى العقاد بقوله :-

" دمه خفيف العقاد .. على كل حال قدم لنا صورة لطيفة ، و كلام العقاد معناه أننى لست منعزلاً عن الناس ، و على فكرة العقاد معجب جداً بيوميات نائب فى الأرياف . و كان يقرؤها و يضحك على الصور التى فيها " .

لم يجد أنيس منصور ما يريد من مطبات أدبية فسأل الحكيم سؤال ظن أن فى إجابته ستنشب معركة حامية بينه و بين العقاد .
ما رأيه فى القيمة الأدبية للعقاد ، فأجابه بحرص شديد :-

" العقاد خدم الفكر العربى خدمة جليلة و كان منبع نشاط فكرى فى وقت كان فيه البلد محتاجاً إلى عملية تنوير . فأغلب الناس لا يعرفون اللغات الأجنبية و لا يحسنون إلا اللغة العربية ، فالعقاد كان المصباح الذى ينير لهم التفكير فى العالم ، فالعقاد من مصابيح الإشعاع الفكرى فى مراحل كثيرة من مراحل النشاط الأدبى فى البلاد العربية ، و العقاد قنطرة فكرية ، و طه حسين قنطرة أدبية " .

و هكذا لم يستطع أنيس منصور أن يُشعل نار الخصومة مرة ثانية بين العقاد و توفيق الحكيم ، فقد ظلت عرى الصداقة بينهما وثيقة حتى انتقل العقاد إلى عالم الخلود و كان الحكيم من أوائل الذين هرعوا لبيته معزياً إيانا و تلاميذه فى فقد صديقه الكبير .


من كتاب :- العقاد ( معركه فى السياسة و الأدب ) .
تأليف :- عامر العقاد .




تمت

الجمعة، 23 مارس، 2012

أصل الخصومة بين العقاد و توفيق الحكيم (4)

صدرت الرسالة و فيها مقال توفيق الحكيم هذا فدخل معه المعركة الملاكم الأدبى المرحوم الدكتور زكى مبارك فكتب يقول :-

" يظهر أن أحزان توفيق الحكيم لن تنجيه من ( الوقوع فى قبضة الأديب الفلاح ) فأسمعه اليوم كلاماً يسره فى حين و يحزنه فى أحايين وفقاً لحالته النفسية .

دار الأستاذ الحكيم فى رده على الأستاذ العقاد حول ( نفوذ ) الدكتور طه حسين فماذا يريد أن يقول .
هل يتوهم أن نفوذ الدكتور طه تميمة تعيذه شر أقلامنا إذا رأيناه انحرف ، و ما احتياجنا إلى نفوذ طه حسين و نحن نعرف أن ذلك النفوذ بلاء عليه ، يستطيع الدكتور طه بكفايته العلمية أن يكون أكبر موظف فى الحكومة المصرية و لكنه لا يستطيع الزعم بأن سلطان القلم يفوقه أى سلطان .


الدكتور طه رجل ضرار نفاع ، و لكن من العيب على حامل القلم أن يرجوه أو أن يخشاه . فما هذا الذى تقوله يا عم توفيق ؟

صديقنا توفيق يتألم و يتوجع لأن شهرته الأدبية ابعدته عن الانخراط فى سلك القضاء فما معنى هذا . معناه أن الرجل يعيش بين رجال الأدب عيش الغرباء و إلا فهل يجوز لكاتب له عقيدة أدبية أن يتوهم أن فى الدنيا حظاً أعظم من حظ أرباب الأقلام .

و صديقنا توفيق الحكيم يقول بعبارة صريحة أنه لا يجد أسرة تعطف عليه فتزوجه بنية يسكن إليها و تسكن إليه لأن الشهرة الأدبية أضافته إلى المشبوهين .

غضبة الأدب عليك يا توفيق فما أوذى الأدب بأقبح و لا أبشع و لا أفظع مما جرى به قلمك الأهوج .

أيهون الأدب على أهله إلى هذا الحد من الهوان البغيض .
أيكون نفوذ طه حسين شيئاً يخاف فنحبر فيه المقالات الطوال العراض .
اّه ثم اّه .

لو كان بيدى شىء لقضيت بنفى توفيق إلى جزيرة " واق واق " ليعرف ابناؤنا و تلاميذنا أن للأدب سيطرة سماوية تبغض التأدب مع غير صاحب السماء .

أنت فى جماعتنا دخيل يا توفيق لأنك تقدم علينا رجال القضاء و لأنك تنهب أصحاب النفوذ .


من كتاب :- العقاد ( معركه فى السياسة و الأدب ) .
تأليف :- عامر العقاد .




و للحديث بقية .. 


الثلاثاء، 20 مارس، 2012

أصل الخصومة بين العقاد و توفيق الحكيم (3)

و بتاريخ 8 يونيو سنة 1942 عقب الأستاذ توفيق الحكيم على مقال العقاد فقال :-

" كانت دعوتى إلى الصفاء بين الأدباء خالصة لوجه الأدب .. فأدباء مصر البارون الدائبون على الإنتاج لا يتجاوز عددهم العشرة على التسامح الشديد ، كان الأجدر بنا نحن العشرة أن نوجه صراعنا لا إلى بعضنا البعض بل إلى الفن و مصاعبه و أسراره .

و لكن الأستاذ العقاد فى مقاله .. رد يقول إن صاحب الدعوة غلى الصفاء هو الذى بحث فى أسباب الكدر بملقاط ليخلقها بين رجلين على أحسن ما يكونان من الصفاء ، فإذا صح هذا الزعم كان حقاً مما يدعو إلى الأسف بل إلى السخرية .

ربما كان ظاهر الواقع يدل على ذلك و لكن هل كانت تلك حقيقة المقاصد و النوايا .

و قد رأى الأستاذ العقاد أن يجرى واحدة بواحدة فلم يفته فى ختام مقاله أن يدس هو الاّخر سبباً من أسباب الكدر بينى و بين الدكتور طه حسين لقوله :-
" أن الأستاذ الحكيم يقول بعد الإشارة إلى ثناء الدكتور طه عليه منذ سنوات : لم نسمع فى غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حسب أنه تفضل على مؤلفه و رفع شأنه من الحضيض ,, الخ "

و مضى يصورنى فى هيئة الناكر للجميل ، و الأستاذ العقاد و لا شك قد فهم أنى ما قصدت بإيراد هذه العبارة و أمثالها إلا إظهار الإساءة لطه حسين و هو فى أوج نفوذه . فقلت ما نصه :-

" أن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندى لاساءته لا لإرضائه " .

الحقيقة أنها كانت قصة انتهت مع الأسف بانهيار صداقة من أعظم الصداقات التى عرفها أدبنا المعاصر " .


 ثم تحدث توفيق الحكيم عن قصة أهل الكهف و رأى طه حسين فيها و صداقتهما التى قامت على الأثر و قال :-

" .. و لكن و أسفاه . لقد تغلب أولئك اللائمون اّخر الأمر و فازوا بماّربهم و اشعلوا نار الوقيعة بيننا واضعين أيديهم على مواطن الضعف فينا ، و ضعف الفنان هو عزته و كرامته ، و إن شئت فقل غروره .. " .

و هكذا لم يستطع طه حسين أن يحتفظ طويلاً بابتسامته و ضحكه أمام الساعين بالسوء و لم استطع أنا أن أحتفظ باتزانى فأنقذ المودة الصادقة و أضحى بالعزة الكاذبة .

و بهذا حطمنا تلك الجوهرة التى منحتنا إياها السماء .. و من أجل ماذا ؟ لست أدرى ما حدث بعد ذلك ، فذاكرتى الاّن لا تسعفنى ، كل ما أذكر أننا حاولنا أن نزم و نحطم . و لقد أقمنا معاً بعد الصيف فى جبال الألب فضحكنا كثيراً و لهونا طويلاً بل لقد ألفنا معاً هناك كتاباً ، و لكنها مع ذلك لم تكن الصداقة الأولى . لماذا ؟ لعل شيئاً فى نفسينا لم يكن صافياً كل الصفاء أو فى نفسى أنا على الأقل .. أنى أعرف ، لقد كنت أمتنع عن كل ما يؤخذ على أنه ملق أو زلفى . لقد كان طه حسين وقتئذ هو شخصية ذات نفوذ . و أنا أكره إرضاء أصحاب النفوذ .

و لكنى الاّن و قد وضعت بين تهمتين : الزلفى و نكران الجميل فإنى أوثر التهمة الأولى فقد سبق أن اتهمت بها فى مجال السياسة ، أن الشهرة قد جاءتنى حقيقة ببعض المال و لكن هل كنت محتاجاً إلى ذلك المال . أنى لم أكن معسراً و لا مقتراً . أجاءتنى بالمركز الإجتماعى ؟ كلا فقد كنت قبلها من رجال القضاء المحترمين ، و لو أن بقيت كذلك و لا شىء غير ذلك لظفرت بالحياة الهانئة الوديعة النافعة ، على الأقل للعدالة و للناس ، و لكن الشهرة و ما يحيط بها من الإشاعات و الأقاويل و الأباطيل قد حالت بينى و بين ذلك الخير ، فبعد أن كانت تسعى إلى طلبى الاّخر و أنا فى القضاء سمواً فى الثقة و الهيبة ، أصبحت تنفر منى اليوم .. لقد جاوزت الأربعين و ما أبصر فى الأفق واحة مورقة فى صحراء حياتى المحرقة .
و ما قيمة الشهرة بغير سعادة و ما قيمة الأدب و الفن بغير هناء .


من كتاب :- العقاد ( معركه فى السياسة و الأدب ) .
تأليف :- عامر العقاد .




و للحديث بقية ..


الأحد، 18 مارس، 2012

أصل الخصومة بين العقاد و توفيق الحكيم (2)

قرأ العقاد مقال الحكيم فكتب على صفحات الرسالة فى أول يونيه 1942 مقالاً يرد فيه عليه جعل عنوانه " صداقات الأدباء " بدأه بقوله :-

 


  " لو تكلم القدر لأسمعنا العجب من ظلم الناس ، و هم يحسبون أنهم المظلومون لأنهم يطلبون و لا يجابون ، و لا يسألون أنفسهم مرة لماذا يحال بينهم و بين ما يطلبون .

فربما طلبوا ما لا يكون ، و ربما طلبوا شيئاً هم يريدون غيره بل يريدون نقيضه ، و ربما طلبوا الشىء و توسلوا إليه بغير وسيلته ، ثم يعرفون خطأهم فلا يطلبونه بعد ذلك بوسيلته المثلى .

و الأستاذ توفيق الحكيم أراد الصفاء بين جميع الأدباء ، فهل أراد شيئاً يكون فى هذه الدنيا ؟ و هل أراده حقاً ؟ و هل توسل إليه بالوسيلة المثلى ؟!

إن ثلاث " لاءات " مفخمات لا غير أصدق جواب على هذه الأسئلة الثلاث .
فالصفاء بين جميع الأدباء معناه الصفاء بين جميع الناس ، و ليس هذا بميسور و لا هو بلازم للأدب و الأدباء .

فلماذا تصفو العلاقات بين جميع الأدباء و هى لا تصفو بين جميع الاّدميين ؟
إن الصفاء قد يتحقق بين طبيب و مهندس و لا يتحقق بين مهندسين أو طبيبين ، و قد يتاح لرهط من الأدباء كما يتاح لرهط من أبناء الصناعات المختلفة ، و لكنه لن يتاح لجميع الأدباء فى وقت واحد ، و لن يتاح لجميع الناس من صناعات شتى و لا صناعات متفقة . و ليس تخصيص الأدباء هنا بالمطلب المفهوم إلا إذا عممنا المطالبة للأدباء و غير الأدباء ، و رفعنا الكدر من جميع الأحياء . و هذا ما ليس بكائن ، و لا نراه مما يكون .
فالأستاذ الحكيم هنا لم يطلب شيئاً يجاب .

و لكننا نعود فنسأل :- هل طلبه حقاً ؟ و هل اجتهد فى تحقيقه فتوسل إليه بوسيلته المثلى ؟

إن الذى يطلب الصفاء لا يبحث عن أسباب الكدر بملقاط ليخلقها خلقاً بين رجلين على أحسن ما يكون من الصفاء ، بل هو يمحو منها ما وجد أن كان له أثر محسوس ، و لا يوجد منها ما ليس له وجود و لم يحسه أحد و لا توهمه ، و لا وقع فى ظن من الظنون .
فماذا صنع الأستاذ توفيق الحكيم ؟

حمل ملقاطه و وضع مجهره على أنفه و راح ينبش ما بين السطور و أطال النبش بينها ليصيح بعد ذلك :- وجدتها ! وجدتها ! ... هنا سبب من أسباب الكدر كامن بين السطور لعله لا يظهر على وجه الكلام و لكنه مستور هنالك لمن يبحث عنه و يجرى وراءه ، و هو لهجة تعال فى الشكر ، أو لهجة يخيل إلى من شاء التخيل أنها تشف عن التعالى و لا تبرىء الشكر من الجفاء ، ثم يصيح برجلين يفهمان ما يقولولان لهما :- أرأيتما ؟ أليس خليقاً بكما ألا تصفو ؟ أيليق بكما أن تصفو و بينكما هذا الذى أراه مانعاً للصفاء !
ذلك ما صنعه الأستاذ توفيق الحكيم .
فهل فى وصفه مبالغة ؟ و هل صورناه بغير صورته القريبة التى تعرض نفسها لكل من ينظر إليها ؟

أهدى إلى الدكتور طه حسين قصته " دعاء الكروان " فجعلت هذا الإهداء موضوع مقال من أعماق النفس فى معنى الكروان و دعاء الكروان و ذكريات الكروان ، و قرأه كثيرون من الأدباء فحدثونى عنه حديث رضى و سرور ، و فى مقدمتهم الدكتور طه مُهدى " دعاء الكروان " .
أما الأستاذ توفيق الحكيم فماذا صنع ؟

لم يرضه ما أرضى الدكتور طه و لا ما أرضى الأدباء و لا ما أرضى كثرة القراء ، و راح يتحدث و يكتب ليقول :- هنا صفاء .. فكيف بالله يليق هذا الصفاء ؟ 
لو كان الأستاذ توفيق الحكيم يطلب الصفاء و يتوسل إليه بوسيلته المثلى لكانت له ندحة مما صنع و لو لم أكتب ذلك المقال " دعاء الكروان " .
نعم كان فى وسعه أن يقول بينه و بين نفسه : لعل واجب الشكر قد أُدى فى رسالة أو فى مقابلة ، أو سيؤدى فى سانحة أدبية يأتى أوانها فى حينها ، أو لعلى أعرف الحقيقة إذا عنيت بالسؤال عنها عند أهلها .
هذا ما كان فى وسع طالب الصفاء أن يصنعه و لو لم أكتب مقالى فى " دعاء الكروان " .

و لكن الأستاذ الحكيم لم يصنعه ، و لم يزل يحمل ملقاطه و يضع مجهره على أنفه ، ليخلق الكدر من شىء يبحث عنه بين السطور ، و لا يراه على ظاهر السطور .
أهذا هو طلب الصفاء و السعى إليه ؟
فماذا يكون السعى إلى خلق الكدر و الإشفاق من دوام الصفاء ؟

كانت المناقشة بين الأستاذين زكى مبارك ، و توفيق الحكيم قائمة يوم لقيت الأستاذ توفيق فى إحدى المكتبات و فيها صديقنا على أدهم فجرى ذكر تلك المناقشة و صارحت الحكيم فيما أراه فقلت له :-
أنك لم تبحث عن أسباب الانصاف بعض بحثك عن أسباب الجفاء ، لأننى لا أعرف و لا أذكر أننى قصرت فى حق زميل إبان إشتغالى بالصحافة و تولى فيها صفحة الأدب و دراسة المصنفات . فكل أديب أرسل إلى كتاباً فى هذه الأثناء فقد نوهت به و كتبت عنه ، و لكننى أنا أرسلت كتباً إلى زملاء يعرضون المصنفات فى المجلات فلم يذكروها و لم يشيروا إلى صدورها ، فلماذا نسيت هذا و حاسبتنى على ما تقول أنه شكر لم يبلغ ما تتخيله من الرقة و النعومة ؟ لماذا تحاسب من يكتب و لا تحاسب من يهمل ؟
ما الذى يُعفى هؤلاء أولئك الزملاء من عرفان حقى ، و يوجب على أنا ، أن أبلغ الغاية التى يتخيلها كل متخيل من عرفان الحقوق ؟

و تكلم الأستاذ الحكيم عن أولئك الزملاء فقلت له :- إننى لا أفردهم بالملاحظة و لا أستثنيك أنت منها ، فقد كتبت عنك مرتين أو ثلاثاً فكم مرة كتبت عنى ؟ و ما الذى يُعفيك من هذا الواجب الذى لا أذكرك به إلا لمناقشة رأيك لا لأننى أحتاج إليه ؟
ثم بينت له موقفى من تقريظات العظماء الذين يثنون على كتبى فأشكر لهم ثناءهم و لا أنشره فيما أطبعه من كتبى ، و إن كان فى نشره فخر أعتز به كما يعتز به سائر المؤلفين .

بينت له ذلك كى لا يقع فى روعه أننى أطالبه بواجب الكتابة أو أتقاضاه حقاً من الحقوق . فلو أردت ذلك لعمدت من قبل فى عشرات السنين الماضية إلى نشر الكتابات التى وصلت إلى يدى و هى مما يسمح بنشره فى جميع البلدان .





ثم افترقنا و لم أسمع من الأستاذ الحكيم فى تلك المقابلة ما يذهب بدهشتى من سعيه إلى الصفاء بذلك الأسلوب ، و من محاسبته إياى على الوهم بين السطور و هو يرى أناساً يسهون كل السهو عن حق الأدب و حق الزمالة ، فيغض عن الحقيقة الماثلة ، و ينسى السطور و ما بين السطور .

و فارقنى تلك الليلة و لا أدرى ما فى نفسه ، و لعله كما علمت بعد أيام قد تبين صواباً فيما قلت أو فى بعض ما قلت فعدل إليه و كتب مقاله المشكور عن كتابى " عبقرية محمد " فقدمه بكلمات يقول فيها :-

" و قد سمحت لنفسى بالسبق إلى أداء هذه التحية ، لأنى فطنت إلى أنى المتخلف دون غيرى عن أداء الواجبات ، و ليس لى من عذر إلا انصرافى عن باب النقد منذ أول الأمر "
و هو موقف أحمده له كل الحمد و أعتقد أنه قد حسب له عندى فى عداد الخلائق المرضية و الفضائل الخلقية ثم وجه إلى بعد أيام أخرى خطاباً يقول فيه :

" إنك للمرة الأولى تخاطبنى بهذه اللهجة التى كنت تخاطب بها الرافعى رحمه الله ، أبهذه السرعة تضع الناس فى صف أعدائك ؟ لعلك لفرط ما قاسيت من شر الناس ، و لقلة ما وجدت من خيرهم ، أصبحت مثل " هاملت " تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون تبين الوجوه فطعنت صديقاً و أنت لا تدرى " .

و لا أظن أننى أشبه " هاملت " فى كثير من خصاله و أفعاله ، و لكنى إذا سُئلت لم صنعت صنيع " هاملت " أفلا يجوز أن أسأل . و لما الوقوف وراء الأستار ، و أولى من ذلك الخروج إلى وضح النهار ؟ أليس هنالك بعض اللؤم على من ينصت خلف الستر ليسمع مالا يُسمع ، أو ليقول مالا يُقال ؟!

و بعد ، فما العبرة من كل أولئك فى تاريخ الأدب و نقده و سلوك الأدباء مشهورين كانوا أو غير مشهورين ؟
العبرة من أولئك " أولاً " أن الأستاذ الحكيم يقول بعد الإشارة إلى ثناء الدكتور طه عليه منذ سنوات :-

" لم نسمع فى غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه و رفع شأنه من الحضيض ، و أن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشترى من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد أثناء الليل و أطراف النهار ... " .

لذلك يقول الأستاذ الحكيم اليوم . فليذكر ما قاله الأدباء الناشئون الذين يؤمنون بكفاءة تشبه كفاءته الفنية ، ليذكروا أنهم يطلبون شيئاً ينكرونه جاهدين بعد بضع سنوات : يطلبون التشجيع ثم ينكرون التشجيع ، و كان أحرى بهم ألا يطلبوه و ألا ينكروه ، فما سمعنا فى غير مصر أن الادباء المشهورين مسئولون عن شهرة كل أديب ينشأ بعدهم و لا يعرفون لهم حقهم ، و إلا كانوا هم الملومين المقصرين .

عبرة أخرى أن الأستاذ الحكيم يذكر التعالى فى موقف الكاتب و ينسى أنه اختار لأدبه عنوان " البرج العاجى " و هو عنوان الأدب المصطلح على وصفه بالتعالى بين نقاد الغرب و شعرائه ، فليترك برجه العاجى إذن أو فليتركنا نحن نتعالى و نتواضع كما نشاء .

و عبرة ثالثة أن الأستاذ يحن إلى صداقات فى الأدب المصرى كالصداقات التى أثرت عن كبار الأدباء الغربيين .

و أن أناساً لتأخذهم السمعة البعيدة فى زمانها أو البعيدة فى مكانها فليلحقونها بعلم الخيال و عالم المثال و يسهون عن الواقع الذى لا يقبل المحال ، و أعيذ الأستاذ أن يكون من هؤلاء .

فتاريخ الاّداب الأوربية بين يديه يستطيع أن يرجع فى كل ساعة إليه ، و يستطيع أن يعلم بعد المراجعة أن فى الأدب العربى حديثه و قديمه صداقات تضارع تلك الصداقات مع حسبان الفارق فى البيئة و الزمن و المناسبة .

فهل يعنى الأستاذ صداقة شعراء البحيرة فى انجلترا ؟ هل يعنى صداقة شيلى و بيرون هناك ؟ هل يعنى صداقة جيتى و شيلر بين شعراء الألمان ؟ هل يعنى صداقة تولستوى و تورجنيف و ديستويفسكى بين عظماء الأدب العالميين ؟

إن كان يعنى هؤلاء و أمثال هؤلاء فهو واجد فى الأدب العربى الحديث صداقات من طراز تلك الصداقات ، و واجد من هناتهم فى الغرب نظائر لما يشكوه من هناة الزملاء المصريين و الشرقيين .

و الطبيعة البشرية واحدة فى كل مكان .. تلك أصدق حكمة من الناس قالها إنسان .


من كتاب :- العقاد ( معركه فى السياسة و الأدب ) .
تأليف :- عامر العقاد .




و للحديث بقية ..

الخميس، 15 مارس، 2012

أصل الخصومة بين العقاد و توفيق الحكيم (1)

-  تتلخص خصومة العقاد و توفيق الحكيم فى أن الدكتور طه حسين كان قد أهدى قصته " دعاء الكروان " إلى الأستاذ العقاد . و يومئذ كتب العقاد مقالاً يحيى فيه صديقه الدكتور طه على قصته و يشكره على إهدائه إياها له .




فقال فى خاتمة ذلك المقال :- 

" يا دعاء الكروان !
موعدنا معك الفضاء الرحيب كلما أوغلت بنا الذكرى  فى أغوار ينقطع ما بينها و بين الفضاء الرحيب .
و من دعائك أنك جذبتنا خمساً و عشرين سنة أو جذبت إلينا تلك السنين الخمس و العشرين ، و أنك أوحيت إلى طه ما يوحى ، فإذا به يفتح لنا فضاء الليل و ما فيه من أصداح و أشباح ، و إذا به يلقى إلينا بعاصم فى الفضاءين من ذلك الحبل السريع الخاطف ففيه لياذ بالنجاة .

قال صديقنا طه حسين و هو يهدى إلينا " دعاء الكروان " :-

أنت أقمت للكروان ديواناً فخماً فى الشعر الحديث ، فهل تأذن فى أن أتخذ له عشاً متواضعاً فى النثر العربى الحديث ، و أن أهدى إليك هذه القصة تحية خالصة من صديق مخلص .

و إنى لأحسب و أنا أتقبل الهدية شاكراً أن " الكروان " سيأوى إلى العش الذى سماه صديقنا متواضعاً لأنه يرتضى العش و إن أغريناه بالدواوين و حسبنا منه أن يدعونا و ندعوه ، و إننا و إياه نلبى الدعاء " .


لم يعجب مقال العقاد هذا الأستاذ توفيق الحكيم فكتب معقباً على صفحات الرسالة بمقال جعل عنوانه " الصفاء بين الأدباء " فانبرى له فى البداية المرحوم الدكتور زكى مبارك و قال إنه يقصده بمقاله هذا و كان ذلك فى 13 إبريل سنة 1942و طلب منه - أى من توفيق الحكيم - أن يفصح عمن يقصده بمقاله فاضطر الأستاذ توفيق الحكيم إلى أن يقول على صفحات الرسالة بتاريخ 20 إبريل سنة 1942 :-





 " كنت قد نشرت فى الرسالة كلمة و ظاهر من روح هذه الكلمة أنى أحض على توثيق صلات المودة الصادقة بين الأدباء بدعوتهم إلى نبذ الألفاظ التى قد تُحدث فى نفوس زملائهم شيئاً من الامتعاض و لكن الدكتور زكى مبارك فهم الأمر على وجه اّخر .

ثم سألنى :- فقلت أديب واحد قد عنيته بالذات ، إنما هى كلمة عامة للنفع العام ، و لئن كان لابد من مناسبة أوحت بهذه الكلمة فربما كانت مقالة الأستاذ العقاد التى يشكر فيها الدكتور طه اهداءه إليه " دعاء الكروان " .

و فى الحق أنى لم أجد بالمقال الرقة التى كنت أنتظرها و أستأت فى نفسى من الأستاذ العقاد بعض الاستياء . و أنا الذى يعتقد دائماً أنه يخفى وراء الكبر و التكبر نفساً طيبة تتفجر إذا اطمأنت بأجمل عاطفة و أنبل احساس ، فالذى يستطيع التأثير فى نفوسنا بكتاباته الإنسانية عن الكلب " بيجو " لابد أن يحمل نفساً خليقة أن تفيض بالمودة نحو إنسان .


من كتاب :- " العقاد .. معاركه فى السياسة و الأدب " .
تأليف :- عامر العقاد .




و للحديث بقية ..


الاثنين، 12 مارس، 2012

سيرةُ مُولع بالهوانم - طلال فيصل ( إقتباسات )

- تسألنى بثقة ما أسمك ؟!
- أقول بارتباك ذكر فى حضرة أنثى حقيقية :- طلال ، ثم أهز رأسى بما يعنى أننى أريد معرفة أسمها فتقول ببساطة :- مانوليا ، ألعب فى القلم دون أن أجد شيئاً أقوله لأدارى به حيرتى ، فى النهاية أسأل ، ما معنى المانوليا ؟!
- فتقول فى نفاذ صبر ، أسم وردة ، مانوليا أسم وردة . تستمر فى ترتيب أشيائها و أنا أتساءل بينى و بين نفسى ، هل لوردة المانوليا نفس هذا العطر الذى يفوح منها ؟

-  كم هو قصير عمر الورود البيضاء ، بعد شهر واحد انتقلت تمارا لمكان اّخر - لم أعلم عنه شيئاً - و ظلت فى بالى ذكرى ماثلة كلما قرأت " قل أعوذ برب الفلق " بسهولة و يسر ، أبتسم فى حنين و أنا أتذكر مجاهدتها لتنطقها .

- تتغير أشياء و أشياء و أعبر بحدة من اطمئنان الأسطورة إلى عذاب المنطق ، لا يصبح السؤال الأهم فى حياتى " ماذا أفعل " بقدر ما يصبح " لماذا أفعل " .

- عندما نكون مأزومين نفسياً نكون أكثر إحساساً و قدرة على التعامل مع المأزومين مثلنا ، ربما لأن وجودهم فى الحياة يعطينا ثقة أننا لسنا ضائعين وحدنا ، ظل الغريب للغريب عباءة كما يقول درويش .

- نفترق عاشقة تجرعت تعاستها كاملة و معشوقاً منهكاً لا يشعر بشىء ، أى شىء ، رويداً رويداً ، أراقبها و جسدها القصير الممتلىء يبتعد و يتوارى عن عينى ، و أسأل نفسى ، متى ستخونها قواها و تقف لتبكى بجوار حائط قديم .




 - الباليه هو العلاقة القائمة بين الجسد و الفراغ  ، البطل هو الفراغ المحيط بجسد الراقصة و ليس الجسد ذاته ، بينما الرقص الشرقى هو العلاقة القائمة بين أجزاء الجسد و بعضها ، البطل هو الجسد و الراقصة الماهرة - بحسب تعريف تحية كاريوكا فى أحد الحوارات - هى التى ترقص فى أضيق مساحة ممكنة ، الرقص الشرقى تجسيد للحس و الباليه انعتاق منه ، الرقص الشرقى سطوة التناهى و الباليه إطلالة على اللامتناهى .

- أحب بنتين فى صمت لتتزوج كل منهما بعد أيام قليلة فيتأكد أن ذوقة جيد و أن حظه ليس كذلك .

- عدم إتقان الإنجليزية أو الفرنسية شىء يثير التأمل لأنه قاسم مشترك تقريباً بين كل راقصى الباليه العالميين اللذين عرفتهم و الذين يطوفون الدنيا طوال العام ، الأمر أثار استغرابى فى البداية ثم تفهمته بعد ذلك بل و تقبلته من فنانين لا يستخدمون الكلام تقريباً و لا يحتاجونه فاللغة لديهم هى الحركة و الجسد .

- تبدأ الصور تظهر أمامنا فى المقاطع المتعددة ، و عندما يلتقط بصرى شيئاً ، أصيح فى حماس من أمسك شيئاً يخاف أن يفلت منه :-
- ورم فى المثانة ، و أورام ثانوية منتشرة فى الفقرة العاشرة و الحادية عشرة .
- يهتف فى و هو يهز رأسه فى تشجيع :-
- تمام تمام ، الله عليك يا دكتور .
و أكتشف و البنوتة الصغيرة تنزل من على الجهاز حجم المأساة و أشعر بالخجل من البهجة التى استولت على عندما استطعت التشخيص دون أن أفطن إلى ما وراء ذلك .

- أنظر لها للمرة الأخيرة ثم أنصرف ، أستقبل الهواء البارد و أنا خارج و يتردد فى بالى على الباب الخارجى لدار الأوبرا المصرية قول مولانا جلال الدين الرومى " جميع الكائنات تبكى من ألم الفراق " .


شكراً طلال